عباس الحايك
الكاتب المسرحي عباس الحايك
.
.

مونودراما حكاية موظف

 

حكاية موظف

مونودراما تأليف: عباس الحايك

 

كنبة تتوسط الخشبة، يقعد عليها رجل، الدمية مصنوعة من مخدات على هيئة رجل، الوجه مرسوم بقلم بملامح فيها انكسار وحزن، وعلي الجانب، طاولة صغيرة بين كرسيين متقابلين.. الرجل يتنفس، تتصاعد سرعة تنفسه، وتتصاعد تدريجياً.. يصرخ بكل ما أوتي من قوة.. صمت، ثم يعاود الكرة، يتنفس، تتصاعد سرعة تنفسه، وتتصاعد تدريجياً.. يصرخ بكل ما أوتي من قوة، يصرخ مرة أخرى، تتابع صرخاته.. صمت، يطول الصمت، ينخفض تسارع أنفاسه..

الرجل:            (للجمهور) في السبعينات، كانت هناك طريقة لتبديد الإحباط والإحساس بالقهر، يسمونها العلاج بالصرخة البدائية، باللغة الانجليزية اسمها Primal scream therapy ، تعلمت هذا العلاج من قراءاتي.. (صمت) أنا أحاول أن أبدد الخوف والخجل الذي بداخلي، خوف.. لا أعرف لمَ أخاف، لم ينتابني الشعور بالخوف، ثم أتراخى، وأتراجع، ويلجم لساني. لا تخرج الكلمات بسهولة وأنا أواجهه.. (يحاول أن ينظر جهة الدمية، يثبت نظره للحظات) ليس في عينيه شيء غريب، إنها ككل العيون، لكني أقف عاجزاً، وخائفاً حين تتلاقى عينانا..

يتسارع تنفسه، يصرخ

الرجل:            يجب أن استجمع كل قوتي، يجب أن أمتلك طاقة تجعل لساني قادراً على الكلام، (يضع وجهه بين كفيه) يا الله، كم أنا متعب، متعب حد المرض.

يقف ويواجه الجمهور

الرجل:            في طفولتي كنت أتمنى أن أكون طبيباً نفسياً، كان أصدقائي يسخرون مني، لأن  النفسيين يبدون كمرضاهم. كرهت أصدقائي، الظروف منعتني من الدراسة في الجامعة، لم استطع إكمال تعليمي، فكان مصيري وظيفة لعينة في دائرة حكومية. لو كنت طبيباً نفسياً لكنت أكثر شجاعة في التعبير عن ما بداخلي. (يأخذ نفساً عميقاً) أخرجي أيتها الكلمات، محلك اللسان وليس الصدر، اخرجي وأريحي جسدي، إنك ثقيلة، ثقيلة، ثقيلة (يتنفس، يتصاعد تنفسه ويصرخ).

يدير جسده بسرعة جهة الدمية، يحملها، يضعها على كرسي خلف طاولة، يقعد على الكرسي     المقابل، يتنفس..

الرجل:            (بتردد) أنا.. أنا.. طلبت .. مقابلتك .. (يتوقف عن الكلام، يحدق في عيني الدمية، يدير رأسه للجمهور، وعلى وجهه ملامح الخوف) في عينيه شيء ما يمنعني من الكلام، إنه يسرق مني الشجاعة والثقة بنفسي، أعرف أني لو ناقشته في الأمر سيهزمني، نعم سأنهزم أمامه، لقلة شجاعتي.. ولكن يجب أن أنهي معه هذا الموضوع الذي يؤرقني، أنا لا أستطيع النوم، الموضوع يستولي على تفكيري.. يجب أن أكون شجاعاً .. (يحدق في الدمية) لا أنياب له ليأكلني، ولا سلطة له ليقيلني من الوظيفة، كل ما يملكه سلطة تقييم أدائي الوظيفي.

يقف، يمشي طولياً وبقلق شديد

الرجل:            أنا لا يهمني هذا التقييم لأنه لم يتغير منذ استلمت وظيفتي حتى الآن، تقييم لا يرضي طموحي الذي قتل منذ جئت إلى هذه الوظيفة، وظيفة لا تشبهني ولا اشبهها، جئتها من باب الخوف من البطالة، وليس من باب الحب.. أنا لا أحب هذه الوظيفة، ولا أظن أني سأحبها..(يصمت، يتجه باندفاع للدمية، يقف بمواجهتها، يرفع يده ويهم بالكلام، يتلعثم، يتوقف عن الكلام، ينهار على الكرسي، يضع رأسه بين يديه) لا أدري ما الذي ما الذي يجعلني عاجزاً عن محاورته، أكره هذا العجز، أكرهه. لكني لا أستطيع تحمل هذا الوجع، و تلك الأفكار التي تنتابني، أريد أن اضع راسي على وسادتي دون التفكير في أمره، وفي أمر علاقتي به. يا الله ساعدني.

يقف، يواجه الدمية، يستجمع قواه، يضغط على الكرسي بقوة، يدخل الهواء إلى صدره..

الرجل:            أنا طلبت مقابلتك، في أمر مهم.. ( يصمت) عفواً أنا أحتاج لأن أبل حلقي، إنه جاف، ولا أستطيع محادثتك هكذا، لتعذرني، سأعود..

يترك الدمية يتجه إلى عمق المسرح، يدخل بعد لحظات وفي يده كأس ملئ بالماء، يقترب من الدمية، يشرب الماء، ويضع الكأس جانباً، يعدل من هندامه..

الرجل:            (بارتباك) في الحقيقة، الموضوع الذي طلبت الحديث معك عنه، هو يخصني، فأرجو أن تسمعني وأن يتسع صدرك لكلامي، أنا أعرف أنك ستعترض على مجمله، لكن أرجو أن تسمعني ثم نفتح نقاشاً حوله، أنا على استعداد تام لسماعك.

يقعد على الكرسي بمواجهة الدمية..  

الرجل:            الموضوع يخص علاقتنا، نعم أنا وأنت، علاقتنا كرئيس ومرءوس، علاقتنا التي حتمها الوضع الوظيفي ليس أكثر.. (يضحك) رغم أنك تريد لهذه العلاقة أن تستمر خارج إطار الوظيفة (يصمت، يحدق في الدمية، بارتباك) إذا.. كنت ستضيق بهذا الحديث يمكننا إقفال الموضوع من البداية، أنا آسف.. (يهم بالوقوف، يقعد ثانية وهو يهز رأسه استجابة لإيماءة وهمية من الدمية للقعود) سأقعد، يعني أنك لن تغضب وستسمعني جيداً.. حسناً، سأتكلم (يرتاح قليلاً، يتنفس الصعداء) في المرة الأولى التي دخلت فيها المكتب، اعني في اليوم الأول لي في الوظيفة، قد لا تذكره أنت، لكني أذكره بكل تفاصيله، لا يمكنني نسيانه أبداً، لم أكن أعرفك سابقاً، ولم أكن أعرف كيف هي طريقة التعامل معك، أو كيف تتعامل أنت مع موظفيك، صدقني إذا قلت لك أني حتى الآن، لا أعرف كيف هي طريقة التعامل معك، وكيف تتعامل أنت مع موظفيك. عشر سنوات منذ عرفتك وأنت شخصية غامضة بالنسبة لي، عصية على الفهم، أنا الذي لا يستعصي على شيء، أعجز عن فهم شخصية، لم أستطع حتى تطبيق ما أعرفه من نظريات علم النفس لأفهم شخصيتك، وأتصور أن حتى لو فرويد تعامل معك سيعجز عن فهمك، سينسف كل نظرياته، وسيشعر بالعجز أمامك.. أعذرني على هذا الكلام، لكن لا بد أن تسمعه، لا بد أن تدرك بأنك مزاجي، مشكلتك الأولى أنك مزاجي، تعتمد على مزاجك في التعامل..

يقف، يواجه الدمية

الرجل:            علاقتي بك شابها الالتباس منذ أسبوعي الأول. أتذكر جيداً ذلك اليوم، كنا في فترة الغذاء، كنا نضحك، لأن مزاجك كان رائقاً، كان كل الموظفين في المكتب في مزاج رائق أيضاً، لكن وحدي الذي ساء مزاجي بسببك.. أتذكر، كنت يومها تقعد على الكرسي مثلما أنت الآن، وكنت تضع رجلاً على رجل، هكذا (يضع رجلاً على رجل، يسبل يديه إلى الأسفل) كنت تنظر إلى بنظرات لم أفهمها إلا حين ضحكت بسخرية علي، أتذكر لماذا؟، لأنني ببساطة أخبرتك عن أمنية الطفولة، أمنيتي البسيطة أن أكون طبيباً نفسياَ، ساعتها انفجرت بالضحك وأنت تشير إلي بإصبعك وكأنك تسمع نكتة تثير الضحك، لا أدري ما الذي جعلك تسخر مني هكذا؟، ما الذي رأيته في كلامي ليثير ضحكك الطويل الذي لم ينته؟، خاصة عندما تراني لاحقاً، كأن وجهي يذكرك بنكتة بغيضة (يقلده وهو يشير بسبابته) طبيب نفسي (ينفجر في ضحك مفتعل)، طبيب نفسي (يعود إلى شخصيته) وتركتني في حيرتي ودخلت مكتبك، كنت أسمع ضحك طوال النهار، وكنت أنا أتألم طوال النهار، فقدت رغبتي في العمل، كنت أرى نظرات الشفقة في عيون زملائي. على العموم، طبيب نفسي أفضل من مريض نفسي، لا تنظر لي هكذا، (بإصرار) نعم أنت مريض نفسي (يصمت، ينظر جهة الدمية ببعض حذر) عذراً، لم يكن قصدي إيذاءك، أنا فعلاً لم أقصد، لكن سخريتك مني هي التي استفزتني، ثم أنهم كلهم يقولون ذلك، صدقني كلهم، أنا سمعتها منهم، لست وحدي الذي شعرت بهذا الأمر. كلهم يقولون أنك.. أنك مريض نفسي، ثم أن المرض النفسي ليس عيباً، إنه مرض مثل الزكام والصداع، هناك علاج له، (يقعد بمواجهته) لدينا جار كان مريضاً نفسياً، كان مصاباً ببعض الاضطرابات، كان يحدث نفسه، ويصاب بهستريا ليس ها معنى، أهله جربوا معه كثيراً من الأدوية الشعبية لكنهم لم يفلحوا في علاجه، فقرروا أخذه إلى المستشفى الأمراض النفسية، و شفي تماماً. جيراننا هؤلاء كانوا شجعاناً، تحملوا نظرات الناس، وثرثرتهم، (يقلد أصوات مختلفة لشخصيات الناس) لقد أخذوا إبنهم المجنون إلى المستشفى، (يغير الصوت) مسكين، سيزيدونه جنوناً في هذه المستشفيات، (يغير الصوت) والله أنه أرتاح، المجانين في نعيم. لم يتركوهم في حال، لذا قلت لك أنهم شجعان، أثبتوا للجميع أن المستشفى قادرة على علاج ولدهم، (صمت) هل تشعر أنك مريض نفسي؟، إذا كنت كذلك فيمكنك زيارة نفس الطبيب، (يقف ويتجه إلى الهاتف) سأتصل بهم و أسألهم عن العنوان..(يتوقف) لا تريد؟، أنت لست مريضاً؟، متأكد؟.لكنهم يقولون أنك مريض، ثم يجب أن تدرك أن تصرفاتك كما أخبرتك غير متزنة، نعم، وأعذرني إذا كان هذا سيؤذيك، لكن حاول أن تتفهم وضعك جيداً، مرضك يمكن علاجه. لقد قرأت عن هذا المرض كثيراً وهناك كثيرون مصابون به، هو مجرد بارانويا، نعم بارانويا، ويعني داء العظمة، أو جنون العظمة إذا أردت، (يضحك) وهذا لا يعني أنك مجنون، استغفر الله، لكن هذا هو اسمه، وصدقني يمكن علاجه، جرب، أنت تلاحظ أن مرضك يؤذي الآخرين وليس وحدك، إذا كنت تحب سنسميه الذهان، ربما هذا الاسم يروق لك. فكر في الأمر وأخبرني لأتصل بجيراننا لأطلب لك العنوان.

يقعد على الكنب، وصمت، يطول الصمت، ينظر جهة الدمية، يبتسم.

الرجل:            هل أنت صامت لأني أغضبتك بكلامي؟، صدقني أنا لا أقصد، فقط أحببت مساعدتك، ثم أنني لا أريد أن تتعامل مع الأمر بشكل شخصي ما سيجعله يؤثر على علاقتنا في العمل، أنا يهمني أن تكون علاقتنا هناك وفق مبدأ business is business ، أنت كنت تقول هذا دائماً، لا تخلطوا الشخصي بالوظيفة، لكنك لا تطبق نظريتك هذه، أنت أكثر من يخلط الشخصي بالوظيفة، لأنك تعاملنا وفق مزاجيتك. تأتي صباحاً، تدخل المكتب (يقف ويمثل دور رئيسه) حين نراك مبتسماً (يقلد دخوله مبتسماً) ، وتستقبلنا بصباح الخير، نعرف أن يومنا سينتهي على خير ودون منغصات، وأنك ستملأ الوقت بالأحاديث والثرثرة حتى ولو على حساب العمل، أما إذا دخلت المكتب وعلى وجهك شيء من الضيق (يقلد دخوله وعلى وجهه تكشيرة)، نعرف أننا سنقضي اليوم بالكدر والمناكفات، ونعرف أنك ستلاحقنا وتراقبنا، إفعل، لا تفعل، تريدنا آنذاك كالآلات، نعمل دون أن نحظى براحة (يقلده) المكتب للعمل وليس لراحة يا سادة، لا أريد إهمال، أريد عمل وفقط عمل، لا أريد ان أسمعكم تتجادلون على حساب العمل. أنت هكذا.

يقعد مواجهاً الدمية

الرجل:            أتذكر المرة الأولى التي أدركت فيها قدر مزاجيتك، أتذكر كيف غضبت حينما فاز فريقي على فريقك في المباراة رغم أنه من التفاهة أن نغضب لهكذا أمر، خاصة وأنني على يقين بأنك لست مهتماً بكرة القدم، لكن ما الذي كنت سأفعله أنا لأقنعك بأنه ليس أنا الذي من هزم فريقك، ولست أنا من سجل الأهداف. أنا مشجع لفريق فاز في مباراة على فريق آخر كان مصادفة أنك تشجعه، ولا أدري ما الذي جعلك تشجع هكذا فريق، رغم منافسته مع فريقي إلا أنه لم يحقق البطولة ولو لمرة واحدة. في ذلك اليوم، كنت مبتهجاً وشاركني الآخرين البهجة، قدمت لهم الكعك والحلويات بمناسبة تحقيق فريقي بطولة الدوري، ساعتها دخلت علينا ومن عينيك يتطاير الشرر (يقف ويقلده، على ملامحه الغضب المصطنع) ما هذا يا سادة؟، كيف تقلبون المكتب إلى قاعة احتفالات؟، هذا مكتب محترم، حدجتني بنظرات مخيفه، ثم أشرت لي، كنت أرى سبابتك كمدفع مصوب نحوي، (يقلده) وأنت، (يعود إلى صوته) وأشرت إلي، رأيت في عينيك ساعتها غضب الدنيا كلها، خفت، بدأ قلبي تتسارع نبضاته، خفت مما ستفعله، كانت المرة الأولى التي أرى فيها الضيق على وجهك (يقلده) أنت تعال إلى المكتب، وأنتم عودوا إلى أعمالكم وإلا خصمت من كل واحد منكم ثلاثة أيام. (يعود إلى شخصيته) ولحقت بك خائفاً متوجساً مما ستفعله، كنت أرى شرراً كالذي يخرج من الشياطين في مسلسلات الكرتون، مشيت خلفك وكانت المسافة بين مكتبي ومكتبك طويلة لم تنته بسهولة، شعرت أني مشيت ومشيت (يمشي في مكانه) تعبت وأنا أمشي خلفك، وصلنا إلى المكتب دخلت أنت ومباشرة ذهبت خلف مكتبك، ووقفت أنا عند الباب، قلت لي بصوت مرعب، (يقلده) ادخل واقفل الباب خلفك، (يعود لشخصيته) أقفلت الباب، ودخلت، قعدت على الكرسي، لكنك فاجأتني، (يقلد صوته) قم، هذا المكان ليس لأشكالك. (يعود لشخصيته) وقفت وأنا أرجف خوفاً، وأنت وقفت أيضاً وقلت لي (يقلده) يا سيد هذا المكان للعمل وليس لمثل هذه الاحتفالات البغيضة، وفوز فريقك لا يعني أن تقلب لي المكتب إلى قاعة للحفلات، أدعو الآخرين في أي مكان وأطعمهم من هذا الكعك العفن، لن تكرر هذا الأمر مرة أخرى، مخصوم ثلاثة أيام من مرتبك، (يعود لشخصيته) عشرة أيام؟، هذا ظلم، أي راتب سيكفي؟!، هذا غير عادل، (يقلده، بغضب) لا تجادلني، وعد إلى مكتبك وإلا ألحقتهم بثلاثة أخرى. عدت إلى مكتبي منكسراً حزيناً، دخلت وكانت نظرات الشفقة وبعض نظرات السخرية تلاحقني، لم ألتفت لأحد، لم أكلم أحداً طوال اليوم، ظللت صامتاً، أعمل بصمت. (صمت) عاهدت نفسي ساعتها ألا أظهر فرحاً ولا حزناً في المكتب، ما المشكلة أن أدعو الأصدقاء و نأكل الكعك، فقط أنا والأصدقاء، في أي مكان، المقاهي تملأ البلد. (صمت، ثم يقف يواجه الدمية) بصراحة! أنت لا تملك روحاً رياضية، أنا لن أفعل مثلك لو هزمتم فريقي، لن آتي إلى المكتب مكفهراً وأضع اللوم على كل من فيه، ثم أنت لا تنسى، إنسَ، إذا لم تنس ستنفجر، فجأة، بم، بم، تنفجر.. أنا لا أنفجر لأني أخرج كل شيء خارج هذا البدن، لا أبقي شيئاً، يعني، أصرخ، اضرب الجدار، أو خذ أي شيء واضربه بالجدار، سترتاح، ثم لا تنس أني كنت مشروع طبيب نفسي لذا يجب أن تصدقني (يحدق في الدمية) لا تنظر لي هكذا، سأثبت لك بأنك لا تنسى، لقد ظللت تحاسبني على فوز فريقي وعلى ابتهاجي بفوزه، علق المشهد في رأسك وصرت تذكرني إياه كلما ارتكبت خطاً في ملف أو في معاملة، كنت تقول (يقلد رئيسه) هذا سببه الإهمال وعدم الاهتمام بالعمل، أنت تهتم بشئونك الخارجية أكثر من اهتمامك بالعمل، تسهر في الليل لتتابع مباريات كرة القدم وتحتفل بفوز فريقك، وتأتي للعمل متعباً ولا طاقة لك للعمل، ولا تركيز لإنجاز المهام التي عندك، تأتي صباحاً وتتابع ما يكتب عن مباراة فريقك في الصحف والجرائد وتترك العمل. يجب أن تهتم بالعمل أكثر من اهتمامك بهذه التوافه، العمل أهم ما في حياتك، العمل أولاً وآخراً. (صمت) كنت استغرب من هذه النظرة الغريبة، من قال أننا يجب أن نهتم بالعمل بالدرجة الأولى؟!، من قال أن العمل هو كل شيء؟!، من قال أن العمل يجب أن يمنعنا أن نسهر مع الأصدقاء؟!، ونشاهد كرة القدم، أو أن نرسم، أو نكتب، هل تذكر زميلنا الشاعر الذي هجر الشعر بسببك، تحاسبه على كل شيء، وتضع اللوم على الشعر إذا تأخر في إنهاء مهمة، وطلب منك إجازة ليشارك في أمسية، هجر الشعر لأنك جعلت من العمل عصاً في عجلة، تريده أن يكون مملوكاً للعمل فقط، تريده لهذه الوظيفة لأنك لا تملك موهبته، أنا أدري أن إحساسك بالنقص هو الذي يجعلك هكذا. يجب أن تفهم أننا نعمل لنعيش ولا نعيش لنعمل، العمل فقط يعيننا على الحياة، وليس هو كل الحياة. أنت لا تفهم هذا الأمر، لأنك تريدنا نسخاً منك، نسخاً جاهزة لرجل يعشق العمل، يعيش ليعمل.

الرجل:            (تتصاعد أنفاسه بالتدريج، بغضب) أنت تدرك أن كل من في المكتب يعملون جاهدين لإرضائك قبل إرضاء ذواتهم، أو قبل إحساسهم بالمسئولية تجاه عملهم، صح؟!، وتدرك تماماً أننا محكومون بمزاجك المتقلب، صح؟!، ومحكومون بإسلوبك في العمل وليس بقناعاتنا وفهمنا لتنفيذ مهامنا، صح؟!، تدرك تماماً أننا بدءنا نضجر ونمل من تلك المناكفات المستمرة، صح؟!، وتدرك أننا نتمنى لك أن تنتقل من دائرتنا، تدرك إلى أي درجة نحن لا نقوى على العمل معك، صح؟!، تدرك أنك شخصية لم تعد مقبولة لدينا، خاصة لدي، صرت أكره الحالة التي أعيشها، خوف وقلق، لا أعرف ما ينتجه مزاجك العكر، يوم نحن زملاء نستحق الرفقة، ويوم آخر نحن لا نستحق الترقيات ولا الزيادات، نحن لا نستحق سوى الخصم لأننا لا نعمل بشكل غير مرضٍ لك، تعبت من هذا القلق الذي صار يؤثر حتى على حياتي في البيت، في علاقتي بزوجتي وأولادي، علاقتي بالأصدقاء، علاقتي بفريقي، صرت أنت هاجسي اليومي. أتعرف أني سجلت صوتك بهاتفي الجوال ليكون هو الصوت الأول الذي أسمعه، صوتك هو منبهي، حتى لا أتأخر، ولا أستلذ بالنوم وأستيقظ متأخراً، صوتك هو يردعني عن النوم، لأني لا أرغب في أن أحظى بخصم من راتبي، صوتك يجعلني أقف على رجلي ولا يجعل لي مجالاً للعودة إلى السرير، أقوم بسرعة إلى الحمام، وفي عشر دقائق أكون في السيارة..

يمسك بالوسادة ويبدأ بهزها بغضب

الرجل:            (بغضب) أنا جئت هنا لأقول لك أني لا أحبك، أكرهك، وأكره الساعة التي عملت فيها في هذا المكتب اللعين، أنت كريه وبغيض، أكرهك، أتسمع؟!، أكرهك، ولا تهمني ردة فعلك، لا تهمني الخصومات، ولا تأخر ترقيتي، أنت لا تهمني، لا تهمني، لا تهمني.. (يرددها)

يبدأ بتمزيق الوسادة في فورة غضبه، يمزق القماش، ينزع الحشوة منها، ينثر القطن بهستيريا واضحة تجعل من أنفاسه تتصاعد،

الرجل:            غداً لن أخاف منك، سأقول لك ما في صدري، أنا لا أخاف منك، لا أخاف منك، لا أخاف..

يوزع كل القطن الذي في الوسادة وهو يردد كلمة (لا أخاف منك) على موسيقى إيقاعية متسارعة ومتصاعدة.. يتوقف، يواجه الجمهور وهو يتنهد.. ينهار وينام على الأرض، يغرق في النوم..إظلام سريع ثم إضاءة دلالة مرور ساعات، صمت، بعد لحظات، يسمع صوت رنين الجوال، صوت رئيسه من الجوال

الصوت:          (بصوت غاضب) هذا مكان ليس للراحة، هذا مكان للعمل، هذا مكان للعمل.     

يستيقظ مفزوعاً، يقف خائفاً، ينظر حوله، يستوعب ما حوله، يسرع إلى الداخل وهو يحمل فوطة على كتفه، وبسرعة ينتهي من إرتداء ملابسه، يخرج من المسرح ويسمع صوت تشغيل السيارة من الخارج.

إظلام

1 أغسطس 2008م

 

 

 

 

 

(0) تعليقات

Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.