عباس الحايك
الكاتب المسرحي عباس الحايك
.
.

غياب السرد عن الأفلام السعودية

 

غياب السرد عن الأفلام السعودية

 

استفادت السينما منذ بدايتها من الرواية وحولتها إلى أفلام شاهدها الجمهور، فالتاريخ السينمائي حافل بأفلام كان أساسها روايات، بدءً بالفلم الذي حوله (ديفيد جريفث) من قصة (مولد أمة) في العام 1915، ومن أمثلة هذه الروايات التي تحولت إلى أفلام: رواية ماريو يوزو (الأب الصالح) التي قدمها المخرج فرانسيس فورد كبولا، وروايته (أوب كاليبس .. الآن) والتي قدمها كونراد تحت اسم (رائحة النابالم في الصباح)، والرواية الأكثر شهرة في السينما العالمية (ذهب مع الريح) لمارجريت ميتشل والتي صارت فلماً صار من أهم كلاسيكيات السينما، مروراً برواية (المريض الإنجليزي) لمايكل أونداتجي، وحتى رواية باتريك زوسكيند الذائعة الصيت (العطر، قصة قاتل) التي تحولت إلى فلم حمل نفس الإسم أخرجه الألماني توم تايكور، وفلم (الطائرة الورقية) للمخرج السويسري مارك فورست المأخوذ عن رواية للكاتب الأفغاني الأصل خالد الحسيني. السينما العربية هي الأخرى استفادت من الرواية، فقد حولت روايات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وبهاء طاهر، وإبراهيم أصلان، ويحيى حقى، وغسان كنفاني، والطيب صالح، وطه حسين، إلى أفلام سينمائية. هذه الاستفادة من الرواية في السينما العالمية والعربية تنبع من التقارب بين الفلم والرواية من جهة السرد كمشترك بين الشكلين التعبيريين، فالسرد يعرفه جيرار جينيت على أنه (الخطاب الشفاهي أو المكتوب الذي يتعهد الإخبار عن واقعة أو سلسلة من الوقائع((1)، وهو كذلك (وسيلة جبارة في نسج وإعادة تكييف الأحداث الواقعية والمتخيلة وتوزيعها في ثنايا النص الروائي، وتمثيل المرجعيات الثقافية، والتعبير عن الرؤى والمواقف الرمزية)(2)، ويقترب هذا المعنى من مفهوم السرد في الفلم إذا أحيل الخطاب الشفاهي أو المكتوب الذي ذكره جينيت إلى خطاب بصري، فلا يكون الاختلاف بينهما إلا في الوسائل التعبيرية (إذ المشاهد السردية الروائية تتكون نتيجة التوهم والتماهي بين النص وقارئه، وهي ترتبط بنوع القراءة وكفاءتها وفعاليتها، فيما تتكون المشاهد السردية السينمائية على سبيل التجميع البصري لمجموعة من المعطيات المرئية)(3)، بمعنى آخر يمكن القول بأن التقارب والاشتراك بين الفلم والرواية يكمن في (الحكاية) ويختلف في شكل سرد هذه الحكاية ومضمونها. ويضاف إليه تقاربهما في تكوين الشخصية (الشخصية تتضح من خلال الوصف أو من التنقل بين البعدين الجواني والبراني لتحديد تفاصيلها في الرواية، بينما يقوم الشكل الخارجي للشخصية و حواراتها في توضيح معالمها في الفلم)، والزمان ( الرواية هي إعادة سرد حكاية حدثت في الزمن الماضي وهذا ما يفعله الفلم أيضاً، وما يصدق على أنساق هذا التتابع الزمني للرواية يصدق على الفلم أيضاً، ومثال هذه الأنساق فصلها ليث الربيعي في مقاله المنشور في موقع الحوار المتمدن)(4)، واللغة (في الرواية لغة مكتوبة والفلم بصرية ومنطوقة)، والحدث (لا تختلف الرواية عن الفلم في تتابع الأحداث وعلاقتها بالزمن)، هذه المشتركات بين الرواية والفلم تبدو هي المحرضة لدخول روائيين عالميين وعرب مجال الكتابة للسينما، مدرعين بخبرتهم في الكتابة الروائية لرفع مستوى السيناريوهات التي تنفذ على شاشات السينما، مثل: شولوخوف، غوركي، تيخونوف، الكسي تولستوي، وليم فولكنر، جون شتاينبك، دوس باسوس، سالنجر، سارويان، جاك بريفير، ماركيز..وغيرهم، وفي الضفة العربية هناك أسماء دخلت عالم الكتابة للسينما وأبدعت فيه بقدر ما أبدعت في الرواية وعلى رأسهم نجيب محفوظ الذي كتب للسينما المصرية 22 سيناريو فلم منها (ريا وسكينة)، و ( فتوات الحسينية) و (شباب إمرأة)، و أسامة أنور عكاشة الذي يعد من أهم كتاب السيناريو العرب، ومحفوظ عبد الرحمن، وعلى المستوى الخليجي دخل أدباء حلبة كتابة السيناريو وأبدعوا فيه مثل أمين صالح، قاسم حداد، وفريد رمضان في البحرين، و إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت، والشاعر محمد حسن أحمد في الإمارات.  

هذه الحالة من التلاقي وتبادل الاستفادة بين السينما والفن القصصي تجده غائباً تماماً عن الأفلام السعودية التي تنفذ وتشارك في المهرجانات المحلية والعربية، ففي رصد سريع لما نفذ من أفلام في المملكة منذ 1977م تاريخ ولادة الفلم السعودي على يد الرائد عبد الله المحيسن، وحتى وقتنا الحالي، وبالرجوع إلى كتاب (فيلموغرافيا السينما السعودية)(4) للناقد خالد ربيع السيد، لا نجد فلماً واحداً مأخوذ عن قصة قصيرة أو رواية، على الرغم من وجود حركة إنتاج روائية وقصصية لافتة، فكل سنة تطالعنا دور النشر العربية برواية أو مجموعة قصصية لكتاب سعوديين ومن كل الاتجاهات والمدارس السردية، فباتت الرواية السعودية تشكل ظاهرة جديدة لفتت انتباه النقاد في الداخل ومن العرب، نتاجات لافتة ليس من جهة القيمة بالضرورة بل من جهة الجرأة في الولوج إلى موضوعات كانت بحكم التابو في الماضي، بدءً برواية (بنات الرياض) التي شكلت حالة استثنائية في عالم الرواية السعودية والخليجية من حيث تعدد طبعاتها وأرقام التوزيع، أضف إليها (الآخرون)، (فسوق)، (الفردوس اليباب). ورغم أن التجربة السينمائية في المملكة لا زالت في طور التأسس فإنه لابد من وضع هذا التباعد بين الشكلين التعبيريين تحت الملاحظة لكشف لاكتشاف مبررات هذا التباعد.

على رغم الوعي في المجال السينمائي عند العديد من مخرجي الأفلام السعودية والخبرة التي رفدتها تراكم المشاهدات والتي أفرزت عن أفلام تملك حساسية بصرية لافتة، إلا أن هذا الوعي لم ينسحب على القدرة على اختيار الموضوع، وبالتالي الاهتمام بمستوى السيناريو، مما جعل هذا العنصر يكون الأضعف من ضمن عناصر الفلم. فأكثر المخرجين يصنعون أفلاماً تعبر عن ذواتهم، فتخرج هذه الأفلام في ذاتية مفرطة، لأنهم يقعون تحت تأثير وإغراء المقولة السائدة بأن المخرج هو سيد الفلم لأنه صاحب الصيغة النهائية لهذا الفلم الذي يشاهده الجمهور، ورغم صحة هذه المقولة، نسبياً، إلا أن المخرجين استغلوها لتحييد كل العناصر بمقابل الإخراج، وهذا ما تترجمه الأفلام التي يكتب سيناريوهاتها ويخرجها و يمنتجها وحتى يؤلف موسيقاها ذات الشخص.



المشكلة الأخرى تكمن في التعالي الذي يتعامل فيه المخرجون مع النص الأدبي، من باب تقدم الإخراج من جهة الأهمية في الفلم على السيناريو، دون أن يدركوا أن مفتاح نجاح الفلم هو السيناريو الجيد، ومن ثم الرؤية الإخراجية التي تتكئ على هذا السيناريو، فالإخراج وحده لا يصنع فلماً، بل تتأتى الجودة من تعاضد كل عناصره. من جهة ثانية، أجد أن غياب المنتج السردي عن السينما السعودية يعود إلى عدم قدرة أكثر المخرجين على التعاطي مع السينما كفكر وكحالة ثقافية، ما يعني قصورهم معرفياً عن التماس مع هذه النصوص واستيعابها، ومن ثم تبنيها ومعالجتها سينمائياً.

الروائيون والقصصيون السعوديون يتحملون النصف الآخر من أسباب هذا الغياب، فهم لم يتصالحوا بعد مع هذا الفن، ولم يؤسسوا لعلاقة تبادلية معه، بل تعاملوا معه بنفعية كبيرة في استغلال لتقنياته في سردياتهم، فبعض الراويات استخدمت إسلوب التقطيع السينمائي، أو التركيز على التفاصيل المهملة، والرفع من مستوى الوصف البصري، هذه الروايات اتسمت بها روايات عديدة صدرت مؤخراً. 

مع هذا ينظر هؤلاء الروائيون للتجربة السينمائية السعودية بنوع من التعالي، فهذه التجارب البكر لم تحظ ببطاقة الدخول بعد إلى المشهد الثقافي السعودي، لتكون نسقاً ثقافياً جنباً إلى جنب الأنساق الأخرى، وأكثر ما يدلل على ذلك غيابهم عن مسابقة أفلام السعودية التي أقيمت بالدمام في شهر مايو الماضي، رغم أن ممثلهم الرسمي (النادي الأدبي) كان شريكاً في تنظيم المسابقة، وغيابهم أيضاً عن العروض السينمائية التي تنظمها الأندية الأدبية، لدرجة وقوفهم موقف الضد من إدارات الأندية بسبب هذه العروض ورفضها لأنها لا تتفق ومفهومهم عن وظيفة الأندية.

يبدو أن الروائيين السعوديين باتوا مقتنعين بفكرة الروائي العالمي غابريل غارسيا ماركيز الذي قرر الامتناع عن القبول بتحويل أي من رواياته إلى فلم سينمائي رغم أنه عمل لسنوات طويلة ككاتب سيناريو، أو فكرة الروائي ميلان كونديرا الذي أزعجه ضعف مستوى الفلم الذي اقتبس من روايته (كائن لا تحتمل خفته)، فماريكز وكونديرا يميلان إلى "ضرورة نقل الرواية كما هى, وضرورة أن يكون الفيلم أمينا على كل تفاصيل الرواية حتى لو أعاد قراءتها من خلال الخطاب المرئى"(5)، وهذا ما يؤمن به الروائيون السعوديون خوف خرق المخرجين لحرمة نصوصهم الروائية والقصصية، والعبث بها وتشويهها فتضيع ملامحها في فيلم قد يتبرءون منه لاحقاً.

في المحصلة، يجب أن نعي تماماً تلك العلاقة التبادلية الضرورية بين الفلم والرواية فـهذا "الفن بحاجة ماسة إلى كُتاب والكاتب بحاجة ماسة إلى مخرج مبدع يتعامل مع الفكر الأدبي، فالإنتاج السينمائي للرواية هو احد أهم الوسائل الدعائية التي من خلالها قد يجد الكاتب نفسه أيضاً، لكن يجب إنصاف كتاب الرواية بأدق التفاصيل وعدم الاستهانة ببعض المشاهد أو حذفها وبالتالي سيكون هناك علاقة وطيدة بين الرواية والفلم"(6)،هذه العلاقة إذا ما توطدت ستنقل السينما السعودية من مرحلة الارتباك إلى مرحلة أكثر نضجاً، وستنتج عن أفلام ستظل في الوعي والوجدان كما بقيت قصص وروايات، وستتمكن السينما من توسيع قاعدة مشاهدتها أكثر وتكون فناً شعبياً يعبر عنا جميعاً. 

 

إحالات:

(1) لغة السرد في الفيلم المعاصر، ليث عبد الكريم الربيعي، الحوار المتمدن.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=46235

(2) السرد في الرواية العربية المعاصرة، الدكتور عبد الله إبراهيم، موقع (مفكرة الدكتور عبد الله إبراهيم).

(3) لغة السرد في الفيلم المعاصر، ليث عبد الكريم الربيعي، الحوار المتمدن.

(4) فيلموغرافيا السينما السعودية، خالد ربيع السيد، مسابقة أفلام السعودية 2008.

(5) نص محاضرة الناقد السينمائي عماد النويرى عن العلاقة بين الرواية والفيلم عمارة يعقوبيان نموذجا، رابطة الأدباء يوم الأربعاء الموافق 16يناير 2008 موقع سينماتيك.

(6) جريدة الصباح العراقية، القسم الثقافي، هيثم جبار الشويلي.

* نشر في مجلة قوافل التي تصدر عن النادي الأدبي بالرياض.

 

(0) تعليقات

Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.